الخطيب الشربيني

398

مغني المحتاج

أو بشفعة الجوار ، وينبغي عدم جوازه لاعتقاده خلافه اه‍ . وهذا لا يأتي مع تعليلهم المذكور . ( ولا يقضي ) القاضي ( بخلاف علمه بالاجماع ) كما إذا شهد شاهد أن بزوجية بين اثنين وهو يعلم أن بينهما محرمية أو طلاقا بائنا ، فلا يقضي بالبينة في ذلك لأنه لو قضى به لكان قاطعا ببطلان حكمه والحكم بالباطل محرم . تنبيه : اعترض على المصنف دعواه الاجماع بوجه حكاه الماوردي بأنه يحكم بالشهادة المخالفة لعلمه . وأجيب بأن لنا خلافا في أن الأوجه هل تقدح في الاجماع بناء على أن لازم المذهب هل هو مذهب أو لا ، والراجح أنه ليس بمذهب فلا تقدح . وتعبير المصنف مشعر بأنه لو قضى بشهادة شاهدين لا يعلم صدقهما ولا كذبهما يكون قاضيا بخلاف علمه ، فلا ينفذ قضاؤه ، وليس مرادا بل هو نافذ جزما ، فلو عبر ك الماوردي وغيره ب‍ لا يقضي بما يعلم خلافه كان أولى . وقوله : ولا يقضي بخلاف علمه يندرج فيه حكمه بخلاف عقيدته ، قال البلقيني : وهذا يمكن أن يدعى فيه اتفاق العلماء ، لأن الحكم إنما يبرم من حاكم بما يعتقده . ( والأظهر أنه يقضي بعلمه ) ولو علمه قبل ولايته أو في غير محل ولايته . وسواء أكان في الواقعة بينة أم لا ، لأنه إذا حكم بما يفيد الظن وهو الشاهدان أو شاهد ويمين فبالعلم أولى . وعلى هذا يقضي بعلمه في المال قطعا ، وكذا في القصاص وحده القذف في الأظهر . والثاني : المنع لما فيه من التهمة . ورد بأنه لو قال : ثبت عندي وصح لدي كذا قبل قطعا مع احتمال التهمة . وعلى الأول يكره كما أشار إليه الشافعي في الام ، قال الربيع : كان الشافعي يرى القضاء بالعلم ولا يبوح به مخافة قضاة السوء . قال الماوردي : ولا بد أن يقول للمنكر قد علمت أن له تمليك ما ادعاه وحكمت عليك بعلمي ، فإن ترك أحد هذين لم ينفذ . وشرط الشيخ عز الدين في القواعد كون الحاكم ظاهر التقوى والورع . تنبيه : شمل إطلاق المصنف جريان الخلاف في الجرح والتعديل ، وهي طريقة ضعيفة والمشهور القطع بأنه يقضي فيه بالعلم ، وقد جزم المصنف في الفصل الآتي : ولا يقضي بعلمه جزما لاصله وفرعه وشريكه في المشترك وما المراد بالعلم الذي يقضي به اه‍ . واليقين الذي لا يحتمل غيره أو غلبة الظن مطلقا ؟ والراجح الثاني كما يقتضيه كلام الرافعي ، فمتى تحقق الحاكم طريقا تسوغ الشهادة للشاهد جاز له الحكم بها كمشاهدة القرض والابراء أو استصحاب حكمهما ، وكمشاهدة اليد والتصرف مدة طويلة بلا معارض ، وكخبرة باطن المعسر ومن لا وارث له ونحو ذلك . ولا يكتفي في ذلك بمجرد الظنون وما يقع في القلوب بلا أسباب لم يشهد الشرع باعتبارها . هذا كله فيما علمه بالمشاهدة ، أما ما علمه بالتواتر فهو أولى ، لأن المحذور ثم التهمة ، فإذا شاع الامر زالت . واختار البلقيني التفصيل بين التواتر الظاهر لكل أحد كوجود بغداد فيقضي به قطعا ، وبين التواتر المختص فيتخرج على خلاف القضاء بالعلم . واستثنى البلقيني من القضاء بالعلم ما لو علم القاضي بالابراء فذكره للمقر فقال : أعرف صدور الابراء منه ، ومع ذلك فدينه باق علي ، فإن القاضي يقضي على المقر بما أقر به ، وإن كان على خلاف ما علمه القاضي ، لأن الخصم قد أقر بما يدفع علم القاضي . قال : ولم أر من تعرض لذلك وهو فقه واضح اه‍ . ورد بأن هذا ليس بقضاء على خلاف العلم ، لأن إقرار الخصم المتأخر عن الابراء قد يرفع حكم الابراء فصار العمل به لا بالبينة ولا بالاقرار المتقدم . واستثني من محل الخلاف بالقضاء بالعلم صور ، أحدها : ما لو أقر في مجلس قضائه بشئ فله أن يقضي به قطعا ، لكنه قضاء بالاقرار لا بالعلم . ثانيها : لو علم الإمام استحقاق من طلب الزكاة جاز الدفع له . ثالثها : لو عاين القاضي اللوث كان له اعتماده ، ولا يخرج على الخلاف في القضاء بالقضاء بالعلم . رابعها : أن يقر عنده بالطلاق الثلاث ، ثم يدعي زوجيتها . خامسها : أن يدعي أن فلانا قتل أباه وهو يعلم أنه قتله غيره . ( إلا في حدود الله تعالى ) كالزنا والسرقة والمحاربة والشرب ، فلا يقضي بعلمه فيها لأنها تدرأ بالشبهات ويندب سترها ، والتعزيرات المتعلقة بحق الله تعالى كالحدود المتعلقة به تعالى كما قاله البلقيني . ويستثنى من ذلك ما إذا علم القاضي من مكلف أنه أسلم ثم أظهر الردة ، فقد أفتى البلقيني بأن القاضي يقضي عليه بالاسلام بعلمه ويرتب عليه أحكامه . واستثني أيضا ما إذا اعترف في مجلس الحكم بما يوجب الحد ولم يرجع عن إقراره فإنه يقضي